صديق الحسيني القنوجي البخاري
130
فتح البيان في مقاصد القرآن
أي في هذين الوقتين يعذبون بالنار ، وفيما بين ذلك إما أن يعذبوا بجنس آخر أو ينفس عنهم ، ويجوز أن يكون غدوا وعشيا عبارة عن الدوام . واحتج بعض أهل العلم على اثبات عذاب القبر بهذه الآية أعاذنا اللّه تعالى منه بمنه وكرمه ، وبه قال مجاهد وعكرمة ومحمد بن كعب كلهم ، قال القرطبي : إن أرواحهم في جوف طير سود تغدو على جهنم وتروح كل يوم مرتين ، فذلك عرضها انتهى . وقد حققنا ذلك في كتابنا ثمار التنكيت في شرح أبيات التثبيت ، بالفارسية فليعلم ، ثم ذهب الجمهور إلى أن هذا العرض هو في البرزخ وقيل هو في الآخرة . قال الفراء : ويكون في الآية تقديم وتأخير ، أي : أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ ، النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا [ غافر : 46 ] ولا ملجىء إلى هذا التكلف فإن قوله : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ الخ يدل دلالة واضحة على أن ذلك العرض هو في البرزخ . أَدْخِلُوا أي يقال للملائكة : أدخلوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ هو عذاب النار فإنه أشد مما كانوا فيه ، وقيل : أنواع من العذاب بعضها أشد من بعض غير التي كانوا يعذبون بها منذ أغرقوا ، قرأ حمزة والكسائي ونافع وحفص : أدخلوا بقطع الهمزة وكسر الخاء ، وهو على تقدير القول كما ذكر وقرأ الباقون ادخلوا بقطع الهمزة دخل يدخل أمرا لآل فرعون بالدخول بتقدير حرف النداء أي ادخلوا يا آل فرعون أشد العذاب ، عن ابن مسعود عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ما أحسن محسن مسلم أو كافر إلا أثابه اللّه ، قلنا يا رسول اللّه ما إثابة الكافر ؟ قال المال والولد والصحة وأشباه ذلك ، قلنا وما إثابته في الآخرة ؟ قال عذابا دون العذاب ، وقرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ أخرجه البزار وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان . وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ أي اذكر لقومك وقت تخاصمهم في النار ، ثم بين سبحانه هذا التخاصم فقال : فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا عن الانقياد للأنبياء والاتباع لهم ، وهم رؤساء الكفر إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فتكبرتم على الناس بنا ، والتبع جمع تابع كخدم وخادم أو مصدر واقع موقع اسم الفاعل ، أي تابعين أو ذوي تبع ، قال البصريون التبع يكون واحدا ويكون جمعا ، وقال الكوفيون هو جمع لا واحد له . فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ أي هل تدفعون عنا نصيبا منها ؟ أو تحملونه معنا . وجملة قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها مستأنفة جواب سؤال مقدر قرأ الجمهور ( كل ) بالرفع على الابتداء ، وخبره ( فِيها ) والجملة خبر إن قاله الأخفش ، وقرأ ابن السميفع وعيسى بن عمر ( كلّا ) بالنصب ، قال الكسائي والفراء على التأكيد لاسم إن بمعنى كلنا ، وتنوينه عوض عن المضاف إليه ؛ وقيل على الحال ، ورجحه